اقتراح جديد للخروج من الأزمة المالية والمصرفية من دون Haircut: جدولة الديون وخفض نفقات الحكومة الى ما دون مستوى الإيرادات

النهار | ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٢

دخل لبنان مرحلة جديدة في تاريخه الاقتصادي مع إعلان حكومة الرئيس حسان دياب “تعليق” سداد استحقاق 9 آذار من ديون اليوروبوندز البالغة نحو مليار و200 مليون دولار بحجة استخدام هذه المبالغ لتأمين الحاجات الأساسية للبنانيين.

وإذا كان هذا التخلف عن سداد الديون يحصل للمرة الاولى في تاريخ تعاملات الدولة المالية، سواء مع الخارج أو مع الداخل، فإن هذا الإعلان كان بمثابة إقرار رسمي بالتعثر نتيجة التضخم وانخفاض ايرادات الخزينة بفعل الهدر والفساد والمحاصصة في تقاسم الاموال. مضى نحو عامين على إعلان الحكومة وقتذاك التوقف عن دفع الدين المستحق بالعملات الأجنبية، فيما لا تزال مسيرة المفاوضات مع الجهات الدائنة مجمدة، فما الذي يمكن أن تفعله حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لاستعادة الثقة المفقودة؟

على امتداد عقود، تمكنت المصارف اللبنانية من جذب جنى عمر اللبنانيين على شكل ودائع استُخدم معظمها لتمويل القطاع العام من خلال شراء سندات خزينة أو إقراض مصرف لبنان. وقام مصدر السندات (الحكومة أو المصرف المركزي) بدفع فوائد للمصارف التجارية، التي سددت بدورها جزءا من الفوائد للمودعين.

في أسواق مالية تعمل بشكل طبيعي، يمكن للمصارف بيع السندات في السوق وجمع الاموال لتسديدها للمودعين الذين يرغبون في سحب أموالهم، بيد أنه في الحالة اللبنانية وبعد انخفاض احتياط المصرف المركزي من العملات الاجنبية وانهيار سعر الصرف بدءا من صيف 2019 وقرار حكومة حسان دياب في نهاية المطاف التوقف عن سداد الديون السيادية، انعكس الامر انخفاضاً للقيمة السوقية للسندات الحكومية إلى قرابة الصفر، بما أدى إلى خلق مشكلة فورية لجميع المصارف تمثلت بمطالبة المودعين بسحب ودائعهم، على نحو أجبرها على وضع قيود على الودائع تدريجا الى ان وصلنا الى ما نحن عليه الآن.

يحاول الكثير من السياسيين الفصل بين ديون المصرف المركزي وديون الحكومة، معللين أن المصرف المركزي هو الذي اشترى معظم الدين الحكومي بالليرة، وأن الحكومة يمكنها سداد ديونها للمركزي بالليرة، ويضع هؤلاء المشكلة في ملعب المصارف التجارية حصراً لكونها مدينة لمودعيها بالدولار، متعمّدين تجاهل أنها اقرضت هذه الأموال بالدولار الى المصرف المركزي وتاليا الدولة، وفق ما قال العضو في مجلس المعهد اللبناني لدراسات السوق شربل جريج لـ”النهار”. فالمصرف المركزي هو كيان مرتبط بالحكومة التي تعيّن حاكمه ومجلسه المركزي وتشرف على عملياته عبر المفوض الحكومي. ويطبّق المصرف المركزي السياسة التي ترسمها الحكومة إن كان بموضوع تثبيت العملة أو تمويل سياسة الدعم (محروقات وادوية، وسلة غذائية)، أو تمويل نفقات الحكومة الاخرى. ويقول جريج: “حتى لو افترضنا عن خطأ ان المصرف المركزي لا يخص القطاع العام وأعلن إفلاسه، فالنتيجة ستكون 3 سيناريوات سيئة. أولها أن تستحوذ المصارف التجارية التي اقرضت المركزي على موجوداته التي تشمل حصصا في شركات مثل طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان وغيرهما، فنكون قد سلمنا بذلك احتكارات القطاع العام للمصارف، او أن تفلس المصارف فيصبح اقتطاع الودائع Haircut أمرا لا مفر منه، أو أن نستجدي دولا أخرى لتمنحنا قروضاً فنقبل حينذاك بالتدخلات الخارجية في شؤوننا”. وفي جميع الحالات، يبرز الخطر الأخلاقي في أن تستدين السلطات ثم لا تتحمل مسؤولية السداد، وهي مسؤولية أخلاقية للمحافظة على صدقية عالية نيابة عن اللبنانيين، فضلاً عن المحافظة على ممتلكاتهم. وانطلاقا من هذه الوقائع يعارض جريج بشدة مبدأ “توزيع الخسائر” الذي يسوَّق له حاليا.

أما الادعاء بأن لبنان بحاجة الى تسديد ديونه اليوم وان عليه التخلف عن ذلك لعدم قدرته على السداد، فينافي المنطق والعقل ايضا، فبرأي جريج أن “معظم حكومات العالم لا تنوي سداد ديونها كافة في أي وقت قريب، بل تستمر في خدمة ديونها إلى أجل غير مسمى. ويمكن بسهولة وضع جميع دول العالم في هذه الخانة بحيث تصدر سندات جديدة لتسديد القديمة وزيادة دينها، وهذا في حد ذاته ليس سبباً لأزمة. وجلّ ما تصبو اليه الدول هو الوصول إلى نسبة نمو للديون أدنى من نسبة نمو الاقتصاد فينتج عن ذلك تناقص للدين السيادي إلى الناتج المحلي الإجمالي. وهذا مختلف عن سداد جميع الديون”. من هنا، يرى جريج انه “ينبغي على لبنان أن يسعى جاهدا للعودة إلى قائمة الدول ذات الجدارة الائتمانية واستعادة سمعته التي شوّهتها ممارسات حكومية رعناء تمثلت بالتخلف عن الدفع على نحو غير منظم”. وكانت الحكومة قد تذرعت بأن الشعب اللبناني يستحق أكثر الـ1.3 مليار دولار من الديون والفوائد التي كانت مستحقة خلال عهد حكومة حسان دياب، “فكلّف هذا التصرف الارعن اللبنانيين نحو 20 مليار دولار من الخسائر المباشرة في محاولتهم الدفاع عن الليرة المنهارة، فضلاً عن الدعم العشوائي الذي زاد التهريب. وقد كلفت الصدمة الاقتصادية الناتجة عن ذلك أكثر من ذلك بكثير وعاش اللبنانيون حالةً لا توصف من البؤس”.

ويوضح جريج أنه “لو أن السلطات لم تعد في حالة تخلف عن السداد، وأعادت هيكلة الديون، فإنه يمكن للمصارف حينذاك بيع السندات التي بحوزتها في السوق وإعطاء المودعين أموالهم عند حاجتهم إليها. ولكن ما يمنع المصارف من فعل ذلك اليوم هو أن السندات التي تخلّفت الحكومة عن سدادها أصبحت عديمة القيمة”. ما الحل لهذه المعضلة؟ يقترح جريج أن تبدأ الحكومة التفاوض مع حاملي السندات لإعادة هيكلة الديون (إعادة هيكلة الدين ليست إقتطاعا)، والشروع في برنامج لخفض الإنفاق الحكومي إلى ما دون مستوى الإيرادات، فينعكس ذلك مباشرةً ارتفاعا بقيمة السندات، ما يحل معضلة المودعين”. وتنقسم الغالبية العظمى من نفقات الحكومة اللبنانية إلى فئتين: التوظيف في القطاع العام بالليرة، والمشاريع الحكومية مثل دعم الكهرباء وبناء السدود وغيرها بالدولار الأميركي. وقد أدى انخفاض سعر صرف الليرة إلى خفض كلفة التوظيف في القطاع العام، كما أدّى شحّ الدولارات إلى تقليل التبذير في الإنفاق على العديد من المشاريع الحكومية، فغادرت بواخر توليد الكهرباء وتوقفت مشاريع السدود، إلى آخره. ومن المتوقع تحويل هذا العجز الى فائض في العام 2022 مع توقف دعم المحروقات والكهرباء.

ويمكن للحكومة إذا تبنت خطة واضحة للقضاء على عجز الموازنة وتحويله إلى فائض وإظهار كل اشارات الالتزام باحترام مستدام وطويل الأمد لمحدودية الموازنة، أن تستعيد الثقة التي فقدتها”، وفق ما يقول جريج “بما سينعكس بسرعة على سوق السندات، بحيث تصبح السندات التي تحتفظ بها المصارف قابلة للتداول مرة أخرى. وسيؤدي ذلك إلى تفعيل عجلة الدورة المالية، حيث سيكون المستثمرون عندئذ مهتمين جداً بحيازة السندات التي تدفع فوائدَها حكومة يثقون بإمكانية سدادها لهم. وسيؤدي ذلك على الفور إلى إعادة السيولة إلى المصارف اللبنانية التي ستكون بدورها قادرة على بيع سنداتها متى احتاجت إلى الدفع للمودعين”.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع النهار

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع نبض

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع نبض

 

Tags: central bank, government, Haircut, Inflation, التضخم, الحكومة, المركزي,