المرأة العاملة وهموم الأسرة

عمر العبيدلي | جريدة الحياة | ٠٤-٠٧-٢٠١٧

يعتبر تعزيز مساهمة الإناث في القوة العاملة أحد أهم أهداف الإستراتيجيات الاقتصادية للدول الخليجية، وذلك لتحقيق العدالة والمساواة بين الذكور والإناث، وأيضاً للاستفادة من كل الموارد البشرية المتوافرة، بخاصة في فترة الانكماش الاقتصادي.

واليوم تخطو الدول الخليجية خطوات قام بها العالم الغربي سابقاً، إذ تتميز دول كأميركا والسويد بمساهمات للإناث في القوى العاملة يقترب حجمها من حجم مساهمات الذكور، على عكس ما هو موجود في دول مجلس التعاون، حيث مساهمة الإناث هي أقل من نصف مساهمة الذكور.

ولكن الإسلام والثقافة الخليجية، يقدمان تحدياً إضافياً لا تواجهه الدول الغربية العلمانية عند محاولة تعزيز مساهمة الإناث، تتطلب حلولاً جديدة، مفصلة على مقاس ظروف الخليج العربي. فيولّد توظيف الإناث عموماً مشكلة العناية بالأطفال خلال ساعات الدوام، لأن الزوجات العاملات عادة ينتمين إلى أسر يعمل فيها الزوج أيضاً، لاسيما في ظل الصعوبات الاقتصادية العالمية الراهنة، التي تفرض على الأسر ضرورة تعزيز مدخولها بأي طريقة. وتتاح ثلاثة خيارات للزوجين العاملين:

أولاً: تكليف شخص آخر من الأسرة، كجدة أو خال أو أخ كبير، العناية بالأطفال.

ثانياً: توظيف شخص من خارج الأسرة للعناية بالأطفال في المنزل، كمربٍّ محترف يأتي خلال ساعات الدوام، أو مساعدة منزلية تعيش مع الأسرة مدة مطوّلة.

ثالثاً: استخدام دار حضانة خاصة مكرسة للعناية بالأطفال.

ويتأثر الخيار الثاني بالإسلام، والثقافة الخليجية. اذ حينما يأتي شخص من خارج الأسرة إلى المنزل للعناية بالأطفال – إن كان رجلاً – فإنّ ذلك يقلّل من راحة النساء في البيت، ومنهن أم الأطفال. وقد يتعارض وجود الرجل مع المبادئ الدينية للأسرة، ومع الثقافة الخليجية، خصوصاً في الفترة التي لا يكون فيها في المنزل رجل من الأسرة.

وإن كان الشخص الذي يعتني بالأطفال امرأة وليس رجلاً، فقد يتعارض ذلك مع مبادئ المرأة الدينية، ومع الثقافة الخليجية لكونها تعمل بمنزل لأسرة غير أسرتها، وبسبب وجود رجال في المنزل ليسوا من أسرتها.

وفي الدول العلمانية، قد يتحفظ بعض النساء عن العمل في منازل غريبة، أو من السماح لرجال من خارج الأسرة بالعمل في منازلهن، وذلك لأسباب أمنية. ولكن عموماً لا عائق دينياً أو ثقافياً أمام ذلك.

ونتيجة هذه القيود الدينية والثقافية في الدول الخليجية، تلجأ الأسر إلى مساعدة الأهل، أو إلى الحضانات الخاصة، أو تستفيد من توظيف شخص من خارج الأسرة للعمل في المنزل، شرط أن تكون المربية امرأة أجنبية – لربما غير مسلمة – مثلاً مساعدة منزلية من الفيليبين أو الهند.

وتسهّل الحكومات الخليجية عملية الاستعانة باليد العاملة الوافدة من خلال وضع إجراءات بسيطة للحصول على رخص عمل للأجانب، على عكس الدول الغربية، حيث لا يمكن للأجانب ذوي المهارات المتدنية العمل إلا في ظروف استثنائية.

وبدأت أخيراً المعادلة للأسر الخليجية تتغير لثلاثة أسباب، اولها ان تراجع أسعار النفط يقلص القدرة الشرائية لدى الأسر الخليجية، ومن ثم قدرتهم على الاستعانة بأيدي عاملة منزلية.

ثانيها، ان الدول النامية المصدّرة للأيدي العاملة تمرّ بفترة مستدامة من النمو الاقتصادي المتين، ما يقلل من حاجة مواطنيها للعمل خارج دولهم الأم. ويتسبب ذلك في تزايد كلفة الأيدي العاملة المنزلية، لاسيما في فئة الوافدات ذوات الكفاءة والمؤهلات العلمية، وهنّ المفَضلات – عادة – للعناية بالأطفال.

وثالثها: جيل الأجداد الخليجيين الراهن يشمل عدداً كبيراً من الإناث العاملات، اللواتي دخلن سوق العمل قبل 30 سنة، واستمرين في العمل، وبالتالي هن غير قادرات على مساعدة أبنائهن وبناتهن في العناية بأطفالهم خلال ساعات الدوام.

إذاً مع تراجع الفرصة للاستفادة من الحل الأول (تكليف شخص آخر من الأسرة للعناية بالأطفال) والحل الثاني (توظيف شخص خارج الأسرة للعناية بالأطفال في المنزل) في الدول الخليجية، يجب النظر في كيفية تعزيز الفرص للاستفادة من الخيار الثالث (استخدام دار حضانة خاصة مكرسة للعناية بالأطفال)، الذي لا يتعارض مع المبادئ الدينية أو الثقافة الخليجية.

وبالتحديد، يجب درس الموضوع في شكل رصين، وبناءً على تفاعل حقيقي مع أصحاب المصلحة، كالأسر حيث يعمل الزوجان، والأجداد الذين يساعدون في العناية بالأطفال، والعاملين المتخصصين في دور الحضانة، والمسؤولين عن المناهج في دورات تربية الأطفال الصغار في الجامعات والمعاهد، وممثلي القطاع الخاص، والجهات الحكومية المسؤولة عن إدارة سوق العمل، وغيرهم.

هل هناك وسيلة لخفض كلفة الحضانات؟ وكيف يمكن تعزيز ثقة الآباء في تلك الدور؟ وهل يجب فرض توفير خدمات لعناية الأطفال على المكاتب الكبيرة، كما يحصل في بعض الدول؟ ما هي أفضل طرق لرقابة الموظفين العاملين في الدور، ولحماية الأطفال من العنف والإهمال؟ وكيف يمكن استقطاب كوادر متفوقة للعمل كمتخصصين في العناية بالأطفال؟ ما هي التجارب الناجحة في الدول الأخرى التي يجب استيرادها؟ هذه بعض الأسئلة التي يجب أن تتناولها الدراسة، لرسم سياسة حكومية جديدة، تخدم مصلحة المواطنين الخليجيين، وتسمح للأسر الخليجية بأن تحقق طموحاتها الاقتصادية.

إضغط هنا لقراءة المقال على الموقع الرسمي للصحيفة